محمد هادي معرفة
319
شبهات وردود حول القرآن الكريم
كذلك الدماغ وسط للإدراك والتفكير . « 1 » إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ . « 2 » وبذلك يتلخّص الإنسان - في نشاطه الفكري والعلمي - في قلبه ، ويتّحد القلب مع النفس والروح في التعبير عن حقيقة الإنسان ذاته . قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي « 3 » أي نفسي . قال العلّامة الطباطبائي : لمّا شاهد الإنسان أنّ الشعور والحسّ قد يبطل في الحيوان أو يغيب عنه بإغماء أو صرع ونحوهما ولا تبطل الحياة ما دام القلب نابضا ، قطع بأنّ منشأ الحياة هو القلب وسرت منه إلى سائر الأعضاء . وأنّ الآثار الروحية وكذا الأحاسيس المتواجدة في الإنسان - من مثل الشعور والإرادة والحبّ والبغض والرجاء والخوف - كلّها للقلب ، بعناية أنّه أوّل متعلّق للروح . وهذا لا ينافي كون كلّ عضو من الأعضاء مبدءا لعمل يخصّه ، كالدماغ للفكر والعين للإبصار والاذن للسمع والرئتين للتنفّس ونحو ذلك ، فإنّها جميعا بمنزلة الآلات والوسط إلى ذلك . قال : ويتأيّد ذلك بما وجدته التجارب العلمية في الطيور ، لا تموت بفقد الدماغ ، سوى أنّها تفقد الشعور والإحساس ، وتبقى على هذه الحال حتّى تموت بفقد الموادّ الغذائية وإيقاف نبضات القلب . والبحوث العلمية لم توفّق لحدّ الآن للعثور على مصدر الأحكام الجسدية أعني عرش التدبير في البدن . إذ أنّها في عين التشتّت والتفرّق في بنيتها ونوعية عملها ، هي مجتمعة تحت لواء واحد ومؤتمرة بأوامر أمير واحد ، وحدة حقيقية من غير انفصام . وليس ينبغي زعم التغافل عن شأن الدماغ وما يخصّه من أمر الإدراك . وقد تنبّه الإنسان لما عليه الرأس من الأهميّة في استواء الجسد منذ أقدم الزمان ، وقد جرى على ألسنتهم التشبيه بالرأس والاشتقاق منه حيثما يريدون التعبير بالمبدئية في أيّ شيء .
--> ( 1 ) راجع : تفسير الميزان ، ج 2 ، ص 236 . ( 2 ) ق 50 : 37 . ( 3 ) البقرة 2 : 260 .